محمد بن جرير الطبري

53

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فأنزل الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ حدثني يعقوب ، قال . ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، بنحوه . القول في تأويل قوله تعالى : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً يعني بذلك جل ثناؤه : ورضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي ، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه دِيناً يعني بذلك : طاعة منكم لي . فإن قال قائل : أو ما كان الله راضيا الإسلام لعباده ، إلا يوم أنزل هذه الآية ؟ قيل : لم يزل الله راضيا لخلقه الإسلام دينا ، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالا بعد حال ، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً بالصفة التي هو بها اليوم ، والحال التي أنتم عليها اليوم منه دِيناً فالزموه ولا تفارقوه . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ، ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام . فيقول : رب أنت السلام وأنا الإسلام ، فيقول : إياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجزي . وأحسب أن قتادة وجه معنى الإيمان بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان ، لأن ذلك معنى الإيمان عند العرب ، ووجه معنى الإسلام إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد ، وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى ، فلذلك قيل للإسلام : إياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجزي . ذكر من قال : نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع ، قالا : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : قالت اليهود لعمر : إنكم تقرءون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدا . فقال عمر : إني لأعلم حين أنزلت ، وأين نزلت ، وأين رسول اله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ؛ أنزلت يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة قال سفيان : وأشك ، كان يوم الجمعة أم لا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً حدثنا أبو كريب وابن وكيع . قالا : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : قال يهودي لعمر : لو علمنا معشر اليهود حين نزلت هذه الآية : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً لو نعلم ذلك اليوم اتخذنا ذلك اليوم عيدا . فقال عمر : قد علمت اليوم الذي نزلت فيه والساعة ، وأين رسول الله أو حين نزلت ؛ نزلت ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات . لفظ الحديث لأبي كريب ، وحديث ابن وكيع نحوه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جعفر بن عون ، عن أبي العميس ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق ، عن عمر ، نحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال . ثنا أبي ، عن حماد بن سلمة ، عن عمار مولى بني هاشم ، قال : قرأ ابن عباس : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وعنده رجل من أهل الكتاب ، فقال : لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا ، فقال ابن عباس : فإنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا قبيصة ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عمار : أن ابن عباس قرأ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فقال يهودي : لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا ، فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين : يوم عيد ، ويوم جمعة . حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس نحوه . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا رجاء بن أبي سلمة ، قال : أخبرنا عبادة بن نسي ، قال : ثنا أميرنا إسحاق ، قال أبو جعفر إسحاق هو ابن خرشة عن قبيصة قال : قال كعب : لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه ، فقال عمر : أي آية يا كعب ؟ فقال :